أحمد بن محمد مسكويه الرازي

60

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

والاحتشار في المواكب التي يركب فيها . . . » . « 1 » كان مسكويه الشاهد المباشر على أعمال هذا الوزير الطائش ، وراح يشعر منذ ذلك الوقت بنشوب مجموعة من التناقضات في نفسه ، وراح يتسائل : كيف يمكن له أن يستمر في العيش في كنف هذا الوزير المنتقد من قبل الجميع بشدة ، في الوقت الذي يريد أن يفرض نفسه وسمعته كفيلسوف وكقدرة ؟ ربّما كان ضميره قد أخذ يؤنّبه في هذه الفترة أكثر من الفترة السابقة ، وراحت تعتمل في نفسه المناقشات الصاخبة والمليئة بالتناقضات . وانتهى به الأمر إلى حسم الموقف واتخاذ عهد على نفسه بألا يقبل بعد اليوم أي مساومة بين ملذات العالم وبين الحكمة ، وحسم موقفه لصالح الحكمة نهائيّا . 4 - مسكويه في بلاط عضد الدولة ( 366 - 372 ) بغداد : قلنا بأنّ مسكويه كان يشعر بعاطفة العرفان بالجميل تجاه أبي الفضل بن العميد ، وهذا ما جعله يبقى في الرّي لخدمة ابنه أبي الفتح بن العميد ، وذلك بعد موت الأب والرئيس والمحبوب . ومن المعلوم أن ركن الدولة قد مات في العام نفسه أيضا ، ولولا هذا الشعور بالعرفان بالجميل لغادر مسكويه الريّ حالا . فقد كانت هناك أسباب عديدة تدعوه لمغادرة مدينته الأصلية ومسقط رأسه . وراح هذا السؤال يطرح نفسه عليه : إذا غادرها فإلى أين سيذهب ؟ وراح هذا السؤال يشغله في الوقت الذي كان يتأهب فيه لكتابة تجارب الأمم . وإنّه لشيء ذو دلالة ومغزى أنه توصل إلى ثقة عضد الدولة بعد عام 366 ه فنحن

--> ( 1 ) . راجع : تجارب الأمم ، ج 2 ص 302 .